أبو علي سينا
9
مجربات ابن سينا الروحانية
ونصفا ، فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة . وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغلت النهار بغيره وجمعت بين يدي ظهورا ، فكل حجة كنت أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية ، ورتبتها في تلك الظهور . ثم نظرت فيما عساها تنتج ، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة ، وكلما كنت أتحيّر في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع ، وصلّيت وابتهلت إلى مبدع الكل ، حتى فتح لي المنغلق ، وتيسّر المتعسّر . اشتغاله بالقراءة والكتابة وسهره الليل : وكنت أرجع بالليل إلى داري وأضع السراج بين يدي ، وأشتغل بالقراءة والكتابة . ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها ، حتى أن كثيرا من المسائل اتّضح لي وجوهها في المنام . وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الامكان الإنساني . وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه إلى اليوم ، حتى أحكمت على المنطق والطبيعي والرياضي . ثم عدلت إلى الإلهي . قراءة لكتاب « ما بعد الطبيعة » : وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة ، فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس علي غرض واضعه ، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا . وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به ، وأيست من نفسي وقلت : هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه . وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين ، وبيد دلال مجلد ينادي عليه . فعرضه علي فرددته رد متبرم ، معتقدا أن لا فائدة من هذا العلم . فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص أبيعكه بثلاث دراهم ، وصاحبه محتاج إلى ثمنه ، واشتريته فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي « 1 » في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة : ورجعت إلى بيتي
--> ( 1 ) أبو النصر محمد ولد في فاراب وتوفي في دمشق ( 873 - 950 ) من أعظم فلاسفة العرب حين أقام في بغداد وفي بلاط سيف الدولة بحلب . ولقب المعلم الثاني بعد أرسطو ، وينسبون إليه اختراع آلة القانون .